تقرير : مصطفى محمد
لا يمكن اعتبار الخبر المنشور في معظم وسائل الاعلام .. والخاص باستدعاء رئيس مكتب رعاية المصالح الايرانية بالقاهرة اعتراضا على عرض ايران فيلم عن اغتيال الرئيس الراحل انور السادات بعنوان "اعدام فرعون" .. على انه بداية ازمة بين القاهرة وطهران .. ولكنه مجرد حلقة في سلسلة متصله من الشد والجذب بين البلدين .. ربما بفعل فاعل احيانا .. وربما برضا الطرفين احيانا اخرى ..
وبالنظر الى الماضي القريب والبعيد للعلاقات المصرية الايرانية نجد انها تاريخية ومستمرة مهما كان شكلها وماهيتها .. فلا فرق بين اختلاف البلدين او اتفاقهما .. لانه في كل الاحوال العلاقات بينهما .. او التنافس .. او استعراض القوة .. او محاولات فرض السيطرة على المنطقة .. كلها صور من اشكال العلاقات التي تربط البلدين بعضهما البعض .. فاحيانا يحدث تقارب لدرجة لا يبقى معها الا عودة السفراء الى العواصم .. او قيام الرؤساء بزيارات رسمية .. وفجأة تتراجع الامال والطموحات .. وعلى طريقية ترجيع شرايط الفيديو .. يعود التوتر وتزيد الفجوة في لحظات لمجرد التصريح بكلمة .. او الاتيان بفعل مهما كان بسيطا ..
هذه الحالة هى التي تفسر انه احيانا ما تستخدم كل دولة علاقتها بالاخرى كورقة ضغط على احد اطراف اللعبة السياسية في المنطقة او العالم ..
وقبل توصيف شكل العلاقات الحالية بين البلدين لابد ان نعود للوراء للتدليل على ان العلاقات بين البلدين كانت ولاتزال من اهم ملامحها الاختلاف والتوتر اكثر من الاستقرار والاتفاق ..
الصفحات الاولى
يتمثل التواصل الحضاري بين مصر وإيران في المصاهرات النسبية والعقائدية واللغوية والأدبية والتي تبدو شواهدها في التاريخ .. أكثر من أن تُعَدَّ أو تحصى في العصور القديمة والإسلامية والحديثة .. أما عن التواصل السياسي في العصر الحديث فقد ظهرت فكرة تبادل السفراء بين إيران ومصر بعد توقيع معاهدة "أرضروم" بين الدولة القاجارية الإيرانية والدولة العثمانية والتي نصت على أن إيران تستطيع أن تؤسس لها قنصليات في مدن ولايات الدولة العثمانية.
وكان أول سفير لإيران في مصر هو حاجي محمد صادق خان عام 1869م، وقد تولى بعده 13 سفيرًا حتى قطعت العلاقات بين البلدين عام 1961م، ثم عادت العلاقات ببيان 29 أغسطس 1970م، وقد توقف الرئيس السادات في طهران في 11 أكتوبر 1971م وتبادل الأوسمة مع الشاه محمد رضا بهلوي، وقام حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية- آنذاك- بزيارة إيران في نفس العام وحضور الاحتفال بمرور 1500 سنة على تأسيس الإمبراطورية الإيرانية، وزار شاه إيران وولي عهده مصر عام 1975م وزار السادات طهران في نفس العام والعام التالي كما زارت الشهبانو مصر في نفس العام، وقد عقدت كثير من الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية والثقافية خلال هذه الفترة.
كما كان مفكرو مصر وإيران في العصور الإسلامية بمثابة ممثلين لاتجاهين متوازيين في الفكر الإسلامي العام، أحدهما يمثل يمين الوسط في مصر والثاني يمثل يسار الوسط في إيران.. استطاعا التواصل خلال فترات مختلفة من تاريخ العالم الإسلامي والالتقاء عند محور الوسط لأصحاب الفكر الديني الذي يجمع بين الوسط الإصلاحي والوسط الثوري.. وكان من أهم مظاهره نقطة الالتقاء حول فكر آل البيت مرورًا بفكر الفاطميين وفكر جمال الدين ومحمد عبده إلى فكر محمود شلتوت حول التقريب بين المذاهب الإسلامية.
وكذلك كان تبادل فكر الإصلاح الثوري بين مصر وإيران خلال فترات من التاريخ الإسلامي للبلدين والتي تمثلت مظاهره في حركات الحكم الذاتي والاستقلال عن الخلافة ومواجهة الغزو المغولي والصليبي، وتمثلت كذلك في الثورة النيابية وحركة مصدق وتأميم النفط في إيران وثورة 23 يوليو وتأميم قناة السويس والحركات الإسلامية في كلا البلدين.
مسمار تصدير الثورة
إن قضية تصدير الثورة الإسلامية الى دول المنطقة كانت النقطة الرئيسية التي اختلف حولها الطرفان سنوات طويلة .. ام كانت حجة رسمية لدول المنطقة ومن بينها مصر عندما تتسع هوة الخلاف في مجالات اخرى .. وعموما فقط تم الخلط بين الجانب الثقافي والجانب العسكري والأمني فيها ، مما أثار الشك والريب والتوجسات الأمنية، وكانت سببًا مباشرًا في توتر العلاقات المصرية الإيرانية، يمكن اعتبارها الآن - وفي ظل المشاركة الثقافية وبعد أن أصبحت قضية ثقافية بحتة - من القضايا التي تقبل الطرح على مستوى المثقفين في كل من مصر وإيران، بل إن عرضها على طاولة البحث قد أصبح ضروريًّا الآن باعتبارها فكرًا إسلاميًّا عامًّا يتضمن تجربة إيرانية في التطبيق.
والسؤال هل .. كان هناك تنسيقا من نوع ما بين البلدين ميز العلاقات بينهما في فترة ما من التاريخ خاصة في ظل الاتجاه الدولي نحو العولمة ؟
وقبل الاجابة لابد من التاكيد إن المشاركة السياسية تعني تنسيق المواقف تجاه الأوضاع الموجودة في المنطقة، والتعاون على حل مشكلاتها المعقدة، كما تساعد على إقرار الأوضاع المناسبة للتعاون الفعال بين دول المنطقة، ودعم السلام والأمن والصداقة، وهي ليست بمعنى تقسيم المصالح ومناطق النفوذ الضيق ..
والتاريخ يشير إلى أن مصر وإيران كانت لهما طوال التاريخ مشاركة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وتدل التجارب التاريخية على أنه عندما كانت المشاركة بين مصر وإيران علاقة بين قطبين فاعلين على مختلف المستويات خاصة المستوى الإقليمي كانت المشاركة عامل ضبط وتوجيه لنشاط كل منهما وفي قيامه بدوره وواجبه وتنفيذ تعهداته في المنطقة، ويمكن لهذه المشاركة في الوقت الراهن أن تقوم بهذا الدور خاصة في ظل الوضع الموجود في المنطقة وكثرة مشكلاته وحاجته إلى جهود فعالة من هذين القطبين مصر وإيران.
ومن بين الأمور التي يمكن أن تحققها هذه الجهود: منع انتشار الإرهاب الفردي والجماعي وإرهاب الدولة، ونزع سلاح الدمار الشامل والسلاح النووي من المنطقة، وإحباط مؤامرات أعداء الإسلام في المنطقة، وإعادة بناء البنية السياسية للمنطقة، وإصلاح النظام العالمي الجديد وآثاره على المنطقة، والاستثمار في المناطق المتنازع عليها وتحويل مناطق التوتر إلى مناطق تجارية حرة.
ايران ..نجاد
رغم ان ايران ومنذ توقف حربها مع جارتها العراق .. وهى تسير يخطى ثابتة نحو بناء مجتمع مستقر قوي قادرعلى الدفاع عن حقوقه المشروعه .. في مقابل عداء غربي امريكي على طول الخط بسبب وبدون سبب ..ولكن مجئي الرئي الايراني الحالي احمدي نجاد قلب الصفحة .. ولكنها في نفس الكتاب الايراني الملتزم بمبادئ واسس اتفق عليها من جميع الاطراف خاصة الشعب والسلطة ..
وساهمت شخصية الرئيس المتفردة .. في لفت نظر العالم اكثر واكثر الى ظهران .. اما من خلال تخويف العالم بسبب تصريحات الرجل النارية التي لا تقف عند الحدود الدبلوماسية .. ومعظمها كان ضد امريكا واسرائيل التي يتوعدها دائما بالويل والثبور .. واما لان الرجل زاهد في السطلة .. ويحاول ارتداء جلباب عمر بن عبدالعزيز .. حيث انتشرت صوره وهو ينام على الارض ويحمل معه الى مكتبه في الرئاسة الايرانية شندوشات صنعتها له زوجته قبل خروجه .. وصور زواج ابنه الذي اختفل به بتوزيع برتقاله وتفاحه على عدد قليل حضر الحفل ..
هذا الزهد والتواضع مع الشجاعة بدون خطوط حمراء .. منحته شعبية وشرعية اضافية .. ساهمت في زيادة تلاحم الايرانيين حوله . بل وغير الايرانيين ايضا من اعداء اعدائه ..
المهم ان ايران نجاد تختلف كثيرا على الاقل في الوسائل عمن كانوا قبله .. لذا فهى دخلت في صراع مع القوى العظمى المتجبرة .. لازال مستمرا حتى الان .. هذا الصراع اوجد لمصر دور فيه بشكل او باخر .. وكثيرا ما تم استخدام العلاقات بين البلدين في تحريك الصراع يمينا وشمالا .. او تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية لاحد الطرفين على حساب تنشيط العلاقات او تبريدها ..
الشيعة في مصر
كل فترة واخرى يثار قضية التواجد الشيعي في مصر .. مرة يكون الحديث عن تواجدهم كعدد .. ومرة اخرى عن تاثيرهم السياسي والديني .. وثالثة عن البزنس الايراني في مصر ومحاولة غزو الشارع المصري ..
المهم ان الشيعة وايران يتواجدون في مصر بشكل او باخر .. وان هذا التواجد اصبح ملحوظا اكثر من اي وقت مضى .. ويكفي ان يصرح شيخ الازهر بالترحيب بتدريس المذهب الشيعي في الا زهر ..
وان تخرج عناوين الصحف في مصر تتحث عن غزو ايراني للزي النسائي .. وسيطرة المال الايراني على بعض وسائل الاعلام .. وان الشيعه يطالبون بوزراة تديرشئونهم .. وهكذا ...
كل ذلك يؤكد ان مظاهر التواجد الايراني في مصر مستمرة وفي تطور .. وان العلاقات بين البلدين كثيرا ما تقاربت لدرجة كانت فيها اكثر دفئا من علاقات رسمية لدول اخرى .. ولكن دون الوصول الى مرحلة الود الشرعي ..
كلمة السر
لاشك ان الصراع الحالي بين ايران وامريكا حول برامجها النووية .. سواء كانت هذه البرامج هى السبب الحقيقي في استهداف ايران ام ان الدين والبترول واسرائيل هم الاسباب الحقيقية .. فان دور البيت الابيض في تقدم او تراجع علاقة مصر بايران واضح جدا وتاثيره لا يخفى على احد في القاهرة وطهران .. وربما استفادت كل منهما بوجود هذا الصراع ..
ايضا علاقات ايران بالدول العربية سبب قوي جدا ومؤثر في قرارات القاهرة تجاه ايران .. خاصة وان الدول الخليجية لديها من المخاوف والمحاذير الكثير والكثير تجاه ايران .. واذا كان تقارب القاهرة منها ربما يكون وسيلة تهدئة او وساطة .. فلن يقبل من بعض الاطراف ان يتطور الى ان يكون شريك وصديق .. لذا فان حذر القارهرة شديد حتى لا تتاثر صورتها العربية وتخسر حزمة من المكاسب السياسية والا قتصادية ..
الاكيد ان انتهاء الازمة بين طهرات وواشنطن والغرب عموما بصورة او باخرى سيكون له تاثير كبير على علاقات مصر وايران .. لانه سيترك الفرصة وربما لاول مرة او تختار كل منهما قراراها بدون مؤثرات وصفقات مع اطراف اخرى .. ونحن في الانتظار..
أضف تعليقك
تعليقات القراء
ايران هي الخطر الحقيقي على الدول العربيه خصوصا السنيه منها والادهى ان ارادتها من الدول العربيه هي نفس اراده امريكا والدوله الصهيونيه سوءا اتفقنا مع الزعيم الراحل او لم نتفق ولا ننسى انه ابرم اتفاقيه الشؤم والندامه مع الصهاينه وكلنا فداء دين محمد واله وصحبه اخوكم محمد من مصر
أرشيف وثائق ودراسات
أخبــار ذات صلة
أخبــار أخرى
- ديلي تلجراف: عالم مسيحي يشكك في صلب المسيح
- إحالة أوراق "أبو عقرب" إلى فضيلة المفتي
- د.حنين عبد المسيح يرد علي الرجل الثاني في الكنيسة : نعم الرهبنة بدعة أرثوزكسية
- د. حنين عبد المسيح : الرهبنة بدعة والكنيسة مستباحة والكهنة محرومون من قبل الرب
- د.حنين عبد المسيح يكشف صور عبادة الأصنام في الكنيسة الأرثوكسية
- النص الكامل لتقرير الجهاز المركزي للمحاسبات حول الحساب الختامي للسنة المالية الماضية

